ابو البركات

296

الكتاب المعتبر في الحكمة

المحسوسة المرئية ومناجيه ومخبره روح غير متجسد بجسد كثيف مرئى وإلا لرآه من عنده من المستيقظين . قال قوم ان علم الغيب للنفس بجوهرها لولا شواغل الحس الظاهر لها فإذا خلت عن تلك الشواغل بالنوم رأت وأدركت من ذاتها لا من مخبر أخبرها ولا يتسق هذا الكلام فيما نرى من علم الغيب في المنام فإنه انما يعلم الشئ من الوجود والغيب ليس بموجود أو من جهة أسبابه وموجباته وفواعله ومقدريه ومريديه ومدبريه العازمين على فعله ، قال قوم هم الملائكة الذين على أيدهم وبسفارتهم يكون الخلق والأمر يطلع نفس النائم على ما عندهم من ذلك قبل خروجه إلى الوجود فتعلم الغيب ، وقال آخرون بل والجن يعلمون ذلك من جهتهم فيخبرون البشر به في نومهم وكلاهما جائز فالرؤيا في المنام وما يأتي به من الاخبار والانذار بما ستكون تدل على وجود عالم بما سيكون يخبر به من لا يعرفه من الناس بأسبابه وموجباته ومباديه وعلله - فأما من هو العالم والمخبر فلعله يعلم بعلم آخر فقد جوزت الحكمة النظرية وجود ما قيل من حيوان روحي له حد الحيوانية وهو جسم ذو نفس حساس متحرك بالإرادة ناطق اى عارف قائل . قال قوم انهم يرون في القدح الشفاف والمرآة الصقيلة اشخاصا متحركة متصرفة كما يرى الرائي في المرآة وهؤلاء هم الأرواح المذكورة ولكنهم لا يسمعون لها نطقا في أكثر الأمر بل يخبرونهم بحركات وإشارات بغوامض من الحاضرات وأشياء من الانذارات المستقبلات وما يكون فيما بعد وما كان وغير فيما قيل إذا صح هذا على ما يقال فهو من جملة الرؤيا في المنام أو من مشاهدات اليقظة لاشخاص دون اشخاص يعرفه من يخبر به ويخبره ويعترف به من يعرفه ويعتبره - واما المعرفة الزائدة على التجويز والامكان فمما لا يحصل بالسماع والنظر والخبر بل بالمشاهدة لهذه الأرواح وسماع نطقها ورؤية أجسادها الروحية واشكالها وخلقها وآلاتها من الأعضاء الجزئية . وإلى هذا ينتهى بنا النظر هاهنا ونختم كتاب الحيوان ونبتدئ بالنظر في علم